إحساس غريب ينتابك وانت تشاهد الإسماعيلي يلعب .. فلا تعرف شكل ولا إسم أكثر من نصف اللاعبين بالملعب ، وتحاول جاهدا أن تركز بعينيك علي وجه كل لاعب حتي تنطبع الصورة بذاكرتك .. وفي مجال العمل الإعلامي أمر مضحك جدا الأ تعرف وجوه اللاعبين وهو ألف باء العمل الإعلامي .. حدث هذا الأمر في مبارة الجيش ثم الإتحاد السكندري .. كثرة اللاعبون الجدد بالفريق هي التي وضعت العبد لله في هذا الموقف وأعتقد أنه صادف غالبية من شاهد المباراتين من جماهير الدراويش ..
في هذه اللحظة إجتررت من الذاكرة المتخمة بالأحداث موقف مشابه تماما .. عام 1991 عندما كنت طفلا صغيرا إبان تولي الدكتور عبد المنعم عمارة منصب محافظ الإسماعيلية .. وقتها قرر هو و الراحل الكونت دي شحتة اعظم من أنجبت الإسماعيلية وشغل منصب المدير الفني إجراء عملية إحلال وتجديد بصفوف الدراويش .. فكان القرار بالإستغناء عن نجوم الفريق وعلي رأسهم النجم عماد سليمان ومجموعته التي طالما أبدعت في إمتاع جماهير مصر كلها بالفنون الكروية العالية أمثال طارق الصاوي ، محمود حسن ، شحتة دسوقي ، طارق زين ، إسماعيل توتو ، أبو طالب العيسوي ، حمادة الرومي ..
كان رأي الراحل شحتة أن هؤلاء اللاعبين فقدوا الطموح .. الذي توقف فقط عند مجرد إمتاع الجماهير .. وهو ما يتعارض مع الخطة الموضوعة لبناء فريق قوي قادر علي أن يحصد بطولة للدراويش .. الجماهير نفسها كانت قد إستمرأت و إعتادت هي الأخري حدوتة الأداء الممتع فكنت تري الآلاف منها يخرجون من المباراة والإسماعيلي مهزوم لكنهم في منتهي السعادة بكعب عماد سليمان و كوبري حمادة الرومي وشمسية خالد القماش .. و آه لو خرج الإسماعيلي فائزا دون أداء ممتع تشعر كأن الفريق وقتها قد نال هزيمة مذلة قاسية ..
في هذا العام تحديدا .. وعند أول مباراة للفريق وكانت أمام بورفؤاد و التي إنتهت بفوز الدراويش بأربعة أهداف .. كان غريبا جدا علي جماهير الإسماعيلي وهي تري لاعبين يجرون في الملعب ولا تعرف أسماؤهم ولا أشكالهم .. ثم فجأة بعد سنوات .. يصبح هؤلاء اللاعبون هم محمد أبو جريشة وأحمد العجوز و بشير عبد الصمد وحمزة الجمل وفكري الصغير وسعفان الصغير وعاطف عبد العزيز وأحمد رزق وقناوي .. الوحيد الذي كانت تألفه الجماهير الناشئ فوزي جمال والخبرة خالد القماش .. هذا الجيل الذي ملأ الدينا بعدها فنا وإمتاعا وإبهارا وكان سببا في زيادة شعبية الدراويش بكثافة غير مسبوقة .. وفوزهم ببطولة الدوري وقتها كان مفاجأة للراحل شحتة نفسه .. والرجل حينها لم يخجل وصرح بعد المباراة الفاصلة مع الأهلي بالمحلة انه لم يكن في مخيلته فوز الإسماعيلي بالبطولة ولم يكن يتوقع أن يحدث أبدا .. طبعا لو حدث هذا الكلام الآن لوجدت المدير الفني يتيه بنفسه فخرا متحدثا عن إبداعه التكتيكي والتكنيكي والفكر الخططي والمهاري وغيرها علي طريقة أبو لمعة المصري المعروف بفاروق جعفر ..
أقف عند هذه الحدود للمقارنة .. فلا أستطيع أن أقسو علي صبري المنياوي وأدعي أنه قادرا علي صناعة فريق بمثل كفاءة المرحوم شحتة .. فالزمن لا يكرر نفسه و المرحوم شحتة لن تنجب الإسماعيليه مثله .. وإدخال الإحتراف مصر أضر بها اكثر مما نفعها .. اللاعبون أنفسهم اصبحوا طينة أخري ونوعية مستجدة مستحدثة ، لا يعلمون عن الإنتماء شيئا .. همهم الوحيد فقط حصد الاموال وإستعراض المهارات لا لصالح الفريق لكن لصالح السماسرة أملا في عرض مالي أعلي في نادي آخر وغالبية اللاعبين الذين يضمهم الإسماعيلي لصفوفه أصبحوا يعتبرون الدراويش محطة للإنتقال لفريق آخر لذلك فحصد البطولة هو آخر ما يشغلهم ..
حقيقة لا أستطيع أن أدعي عكسها .. وإن كنت أتمني أن يحدث .. ويوفق الله لاعبي هذا الجيل في حصد بطولة ترضي طموح وغرور عشاق الإسماعيلي اصحاب القلب الأبيض و الوفاء النادر بلا حدود .. وأري أنه بإستطاعة هذا الجيل من اللاعبين علي ضعف خبرتهم وقلة إمكانياتهم الفنية مقارنة بالأجيال السابقة من الممكن إضافة بطولة لدولاب الإسماعيلي خاصة البطولة العربية أو الكونفدرالية لكن شريطة أن يملك أحدهم واحد علي عشرة من حماسة و حب وإنتماء و وفاء الأجيال السابقة .. هذه الأحاسيس جميعها تلخصت أمام العبد لله في موقف لا أستطيع أن يمحي من ذاكرتي مدي الدهر وكان مع نجم الإسماعيلي السابق فوزي جمال وتحديدا يوم المباراة الفاصلة بالمحلة موسم 1991 ..
كانت المباراة الفاصلة مثار حديث مصر كلها في ذلك الحين .. وقرر إتحاد الكرة إقامة المباراة علي أرض ستاد القاهرة بإعتباره أرض محايدة ..؟؟؟؟ .. علي إعتبار أن ملعب الأهلي الاصلي بالجزيرة .. منتهي الإستخفاف والظلم .. هاجت الإسماعيلية وثارت وخرجت الجماهير عن بكرة ابيها تطوف غاضبة في الشوارع والميادين .. وأقسموا علي الذهاب إلي القاهرة سيرا علي الاقدام لهدم مقر إتحاد الكرة الظالم علي رأس من فيه .. وإشتعلت الأمور بعد أن قررت الجماهير وضع تهديدها موضع التنفيذ وبدأوا بالفعل الزحف للقاهرة وإحتلالها .. وتدخل اللواء عبد الحليم موسي وزير الداخلية حينها و بناء علي التقارير الأمنية التي أنذرته بخطورة الوضع في الإسماعيلية التي قد تنفجر في مصر كلها .. وقرر نقل المباراة للزقازيق خشية غضب و ثورة جماهير الدراويش .. ساعتها إعترض الأهلي علي الزقازيق بداعي قربها من مدينة الإسماعيلية .. ويا سبحان الله ستاد القاهرة أرض محايدة وهو الذي يلعب عليه الأهلي كل مبارياته ويبعد عن مقره بالجزيرة عشرة كيلو مترات فقط بينما الزقازيق لا تعد أرضا محايدة في نظر أبناء الجزيرة .. !!!!
وتقرر إقامة المباراة بالمحلة بعد أن إقترح البعض إقامتها بدولة الإمارات العربية بعيدا عن جماهير الإسماعيلي خشية غضبها .. في وقت كان الجميع يعمل لجماهير الدراويش ألف حساب في أي مكان ..
وحتي لا أطيل علي القارئ العزيز كان العبد لله من ضمن الجماهير المحظوظة التي وافق الأمن علي سفرها للمحلة بإعتباري طفلا صغيرا لا خوف منه ولا يمثل خطورة .. فقد كانت جماهير الإسماعيلي وقتها صاحبة سطوة و بأس يهابها الجميع ..
و كان السفر من الإسماعيلية للمحلة صبيحة يوم المباراة ورحلة السفر من مدينة الدراويش وقتها للمحلة وما حدث خلال الطريق من مواقف متباينة تستحق أن يكتب عنها كتاب كامل .. ولكن حتي لا اطيل عليكم وصلنا إلي المدرجات بسلام وإحتللنا كافة مدرجات الثالثة شمال وكنا أكثر عددا بكثير من جماهير النادي الأهلي التي ميزوها و جعلوا أماكن جلسوها في مدرجات وسط الملعب في صورة أخري من صور الظلم و التمييز ..
ونزل لاعبو الإسماعيلي للتسخين فهاجت مدرجات الدراويش وإشتعلت بقوة وزلزلت الأرض في المحلة بزئيرها القوي وكانت البدعة التي إبتعدتها جماهير الإسماعيلي حينها وأخذتها بعد ذلك كل جماهير الأندية الأخري منها وإلي اليوم هي النداء علي كل لاعب بإسمه لتحيته والشد من أزره .. وعندما هتفت الجماهير للنداء علي فوزي جمال كان العبد لله يجلس في سادس درجة من المدرجات وسط جماهير المصري البورسعيدي التي زحفت من بورسعيد لمؤازرة الدراويش ، لحظتها لم أدري بنفسي إلا وأنا اسارع بالنزول لأتعلق بسور الملعب لأنادي علي فوزي جمال بأعلي صوتي ولا أعلم كيف سمعني هو وسط هدير الآلاف وصراخهم فوجدته ينظر ناحيتي ثم يتجه جاريا و هو يقفز فوق اللوحات الإعلانية حتي يصل إلي و يتعلق هو الأخر بسور الملعب من الداخل ليمسك بيدي الصغيرة بقوة وكأنه يلتمس فيها الشعور بالأمان .. صرخت في وجهه قائلا الدوري يا فوزي الدوري عشان إسماعيلية .. نظر إلي نظرة لا أستطيع ان أنساها ثم فجأة إنهمرت دموعه بكثافه وهو يبكي منهنها كالطفل الصغير الذي فقد أمه وأغرقت دموعه يداي وهو ينحني عليها ليجفف دموعه بها .. ثم صرخ وهو يبكي قائلا وسط دموعه .. هانموت نفسنا النهاردة في الملعب علشان خاطركم وعشان خاطر اسماعيلية خليكوا معانا وادعولنا من قلوبكم يارب يارب .. ثم مسح دموعه في تيشيرت الدراويش وهو يقبله وإتجه بقوة مرة أخري ناحية الملعب بكل قوة وحماس .. لتبدأ المباراة و تنتهي بفوز الإسماعيلي بهدفين لعاطف وبشير و الحصول علي البطولة ..
أقف عند هذه النهاية و اعود لأتساءل .. هل نأمل في ان نجد مرة أخري لاعبون بنفس تلك الأحاسيس والغيرة التي كان عليها جيل التسعينيات الذي بهر مصر كلها .. ؟؟ لو وجدنا نفس تلك النوعية من اللاعبين مهما كان مستواهم الفني صدقوني لن يقف أمام الإسماعيلي فريق أبدا .. دعواتكم ودعوات كل محبي الدراويش ..
